الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
241
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
التي كانت فيه من طيلة بقائه في الدنيا ، ثم يبعثه صافيا خالصا ، ويركبه تركيبا جسمانيا في الآخرة بنحو يصلح للبقاء أبدا ، وذلك أنه تعالى جعل اعتدال طبايعه في الآخرة بميزان مستقيم غير ما كان عليه في الدنيا . وبعبارة أخرى : جعل تلك الطبايع في الآخرة على أكمل اعتدال ، بحيث يلزم منه أن يكون الإنسان هناك واحدا بسيطا ، لا يعرض له التضاد ولا الكثرة الموجبتان للفناء كما كان في الدنيا كذلك . والحاصل : أن لطفه تعالى اقتضى تركيبه في الدنيا بنحو يبقى بقدر اللزوم الصحيح ، ثم يعرض له الموت ، ضرورة أن البقاء السرمدي في دار الدنيا ينافي رحمته تعالى ورأفته ولطفه بالإنسان ، فجعله بنحو ينتقل إلى دار الآخرة ، لكي يتنعم من لذائذها الأبدية بدون مشقة ، ثم إن هذا المزاج الأعدل قد لاحظ بالنسبة إلى الأبدان ، وإلى ما به قوة البقاء والعمل والنظام اللازم في عالم الوجود الدنيوي بنحو الأتم الأكمل الأحسن ، وقد يلاحظ بالنسبة إلى طبايعه المعنوية ، وهي أيضا قد جعلها اللَّه تعالى بنحو يوجب توجهه إلى التوحيد الذي هو المقصود من خلقة الإنسان . فنقول : قد أكرمه اللَّه تعالى بأن جعل له الصراط المستقيم ، وهو صراط اللَّه تعالى ، وهو صراط معارفه من العلم والحلم والعقل والحياء وساير الصفات الحميدة التي ذكروها من الجنود العقل ، التي قيل هي ظل التوحيد وما يقتضيه التوحيد . وبعبارة أخرى : قد جعل اللَّه تعالى في باطنه وسره ما هو آثار التوحيد الإلهي ، بحيث لو مشى تحت ظلالها ، وجرّد نفسه عن خلاف مقتضاها الذي هو التجريد عمّا سواه تعالى فلا محالة يصل إلى التوحيد . ومن المعلوم أن هذه الأمور تكون فيهم عليهم السّلام بنحو الأتم الأكمل ، بحيث تتعدى تلك الأمور منهم عليهم السّلام إلى شيعتهم ، حيث علمت أن قلوب شيعتهم خلقت من شعاع